إخوان الصفاء
217
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
وهذه الثمانية هي أيضا أحد أسباب الكائنات الفاسدات التي دون فلك القمر . وإذا تأمّلت أيضا واعتبرت وجدت الثمانية والعشرين حرفا التي في اللغة العربية المماثلة لثمان وعشرين منزلة من منازل القمر ، هجاؤها ثمانية أحرف ، وهي ( ا ل ف ي م ن د و ) ؛ ومفاعيل أشعار العرب أيضا ثمانية أجزاء ، وهي أجزاء العروض ؛ وأجناس ألحان غنائهم أيضا ثمانية ، كما سنبيّن في فصل آخر . وقد قيل إن للجنان ثماني مراتب ، وحملة العرش ثمانية ، والنّيّران سبعة أبواب ، وقد بينّا في رسالة البعث والقيامة حقيقتها . وعلى هذا القياس يا أخي ، إذا تأملت الموجودات ، وتصفّحت أحوال الكائنات ، وجدت أشياء كثيرة ثنائيّات وثلاثيّات ورباعيات وخماسيّات وسداسيات وسباعيّات وثمانيات ومتسعات ومعشّرات ، وما زاد على ذلك بالغا ما بلغ . وإنما أردنا بذكر المثمّنات ان ننبهّك من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، ولتعلم أن المسبّعة الذين قد شغفوا بذكر المسبّعات وتفضيلها على غيرها إنما كان نظرهم جزئيّا وكلامهم غير كلّيّ ؛ وكذلك حكم الثّنويّة في المثنويّات ، والنّصارى في تثليثهم ، والطبيعيين في مربّعاتهم ، والحزميّة في مخمّساتهم ، والهند في مسدّساتهم ، والكيّاليّة في متسعاتهم ، وليس هذا مذهب إخواننا الكرام ، أيّدهم اللّه وإيانا بروح منه ، حيث كانوا في البلاد ، بل نظرهم كليّ وبحثهم عموميّ وعلمهم جامع ومعرفتهم شاملة . ولنعد الآن إلى ما كنّا فيه فنقول : قد تبيّن إذا بما ذكرنا طرف من صفة العود وكمية أوتاره ، وتناسب ما بين غلاظها ودقاقها ، وكميّة دساتينها ، وكيفيّة شدّها ، وما بينها من التناسب ، وكميّة نغمات نقرات أوتاره مطلقا ومزموما ، وما بينها من التناسب . فإنّ أحكم المصنوعات وأتقن المركّبات وأحسن المؤلّفات ما كان تأليف أجزائه وهيئة تركيبه على النسبة الأفضل ، ومن أجل هذا صارت الألحان تستلذّها أكثر المسامع ، وتستحسن صفتها